ابن عجيبة

465

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله للأوصياء : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ التي تحت حضانتكم أَمْوالَكُمُ أي : أموالهم التي في أيديكم ، وإنما أضاف أموال اليتامى لهم حثا على حفظها وتنميتها كأنها مال من أموالهم ، أي : ولا تمكنوا السفهاء من أموالهم التي جعلها الله في أيديكم قِياماً لمعاشهم ، تقومون بها عليهم ، ولكن احفظوها ، واتجروا فيها ، واجعلوا رزقهم وكسوتهم فيها باعتبار العادة ، فإن طلبوها منكم فعدوهم وعدا جميلا ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي : كلاما لينا بأن يقول له : حتى تكبر وترشد لتصلح للتصرف فيها . وشبه ذلك . وإنما قال : ( وارزقوهم فيها ) دون « منها » ؛ لأن « فيها » يقتضى بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلا للرزق والكسوة دون « منها » ، وقيل : الخطاب للأزواج ، نهاهم أن يعمدوا إلى ما خولهم اللّه من المال فيعطوه إلى نسائهم وأولادهم ، ثم ينظرون إلى أيديهم . وإنما سمّاهن سفهاء استخفافا بعقلهن ، كما عبر عنهن ب - « ما » التي لغير العاقل « 1 » . وروى أبو أمامة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنما خلقت النار للسفهاء - قالها ثلاثا - ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها « 2 » » . وقالت امرأة : يا رسول الله : سميتنا السفهاء ! فقال : « الله تعالى سماكن في كتابه » « 3 » ، يشير إلى هذه الآية . وقال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه : ( ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها « 4 » ، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه ، ورجل أعطى سفيها ماله ، وقد قال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ . ) قلت : إنما منعوا من إجابة الدعاء لتفريطهم في مراسم الشريعة . والله تعالى أعلم . الإشارة : لا ينبغي للشيخ أن يطلع المريد على أسرار التوحيد ، وهي أسرار المعاني التي جعلها الله تعالى قائمة بالأشياء ، حتى يكمل عقله ، ويتحقق أدبه ، ويظهر صدقه ، فإذا استعجلها قبل وقتها فليعده وعدا قريبا ، وليقل له قولا معروفا ، فكم من مريد استعجل الفتح قبل إبانه فعوقب بحرمانه ، وكم من مريد اطلع على أسرار الحقيقة قبل كمال خدمته فطرد أو قتل ، ووقتها هو حين تبرز معه فتأخذه الحيرة ، اللهم إلا أن يراه الشيخ أهلا لحملها ؛ لرجحان عقله وكمال صدقه ، فيمكنه منها قبل أن تبرز معه ، ثم يربيه فيها ، وهذا الذي شهدناه من أشياخنا لشدة كرمهم - رضي الله عنهم وأرضاهم - ورزقنا حسن الأدب معهم ، فأطلق الحق تعالى الأموال بطريق الإشارة على أسرار المعاني ، وأمر الشيوخ أن يرزقوهم منها شيئا فشيئا بالتدريب والتدريج ، وأن يكسوهم بالشرائع ، ويحتمل أن تبقى الأموال

--> ( 1 ) راجع التعليق على تفسير الآية الثالثة من سورة النساء . ( 2 ) ذكره بنحوه ابن كثير في تفسيره ، وعزاه لابن أبي حاتم . ( 3 ) ذكره الآلوسي في تفسيره من رواية مجاهد وابن عمر عن أنس . وقال الطبرسي : ( لي في صحته شك ) . ( 4 ) يحمل سوء الخلق هنا على ما يطعن في العفة والحياء . وإلّا فظاهر هذا الكلام مخالف لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يفرك مؤمن مؤمنة ؛ إن كره منها خلقا رضى منها آخر »